أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

538

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

« وجعلناك يا محمد مهيمنا » أبعد » يعني أن هذين التأويلين يصلحان أن يكونا جوابين عن قول مجاهد ، لكن الأول بعيد والثاني أبعد منه . وقال ابن عطية هنا بعد أن حكى قراءة مجاهد وتفسيره محمدا عليه السّلام أنه أمين على القرآن : « قال الطبري : وقوله ومهيمنا على هذا حال من الكاف في قوله « إِلَيْكَ » قال : « وهذا تأويل بعيد من المفهوم » قال : « وغلط الطبري في هذه اللفظة على مجاهد ، فإنه فسّر تأويله على قراءة الناس : « مُهَيْمِناً » بكسر الميم الثانية فبعد التأويل ، ومجاهد - رحمه اللّه - إنما يقرأ هو وابن محيصن : « ومهيمنا » بفتح الميم الثانية فهو بناء اسم المفعول ، وهو حال من الكتاب معطوف على قوله : « مُصَدِّقاً » ، وعلى هذا يتجه أنّ المؤتمن عليه هو محمد عليه السّلام . قال : « وكذلك مشى مكي رحمه اللّه » قلت : وما قاله أبو محمد ليس فيه ما يردّ على الطبري ، فإنّ الطبري استشكل كون « مُهَيْمِناً » حالا من الكاف على قراءة مجاهد ، وأيضا فقد قال ابن عطية بعد ذلك : « ويحتمل أن يكون « مصدقا ومهيمنا » حالين من الكاف في « إِلَيْكَ » ، ولا يخصّ ذلك قراءة مجاهد وحده كما زعم مكي ، فالناس إنما استشكلوا كونهما حالين من كاف « إِلَيْكَ » لقلق التركيب ، وقد تقدّم ما فيه وما نقله الشيخ من التأويلين ، وقوله : « ولا يخص ذلك » كلام صحيح ، وإن كان مكي التزمه وهو الظاهر . و « عَلَيْهِ » في موضع رفع على قراءة ابن محيصن ومجاهد لقيامه مقام الفاعل ، كذا قاله ابن عطية ، قلت : هذا إذا جعلنا « مُهَيْمِناً » حالا من الكتاب ، أمّا إذا جعلناه حالا من كاف « إِلَيْكَ » فيكون القائم مقامع الفاعل ضميرا مستترا يعود على النبي عليه السّلام ، فيكون « عَلَيْهِ » أيضا في محلّ نصب كما لو قرىء به اسم فاعل . قوله : « عَمَّا جاءَكَ » فيه وجهان : أحدهما : - وبه قال أبو البقاء - أنه حال أي : عادلا عما جاءك ، وهذا فيه نظر من حيث إنّ « عن » حرف جر ناقص لا يقع خبرا عن الجثة ، فكذا لا يقع حالا عنها ، وحرف الجر الناقص إنما يتعلق بكون مطلق لا بكون مقيد ، لكنّ المقيد لا يجوز حذفه . والثاني : أنّ « عن » على بابها من المجاوزة ، لكن بتضمين « تَتَّبِعْ » معنى « تتزحزح وتنحرف » أي : لا تنحرف متبعا . قوله : مِنَ الْحَقِّ فيه أيضا وجهان : أحدهما : أنه حال من الضمير المرفوع في « جاءَكَ » . والثاني : أنه حال من نفس « ما » الموصولة ، فيتعلق بمحذوف ، ويجوز أن تكون للبيان . قوله : « لِكُلٍّ » « كل » مضافة لشيء محذوف ، وذلك المحذوف يحتمل أن يكون لفظة « أُمَّةً » أي : لكل أمة ، ويراد بهم جميع الناس من المسلمين واليهود والنصارى ، ويحتمل أن يكون ذلك المحذوف « الأنبياء » أي : لكل الأنبياء المقدّم ذكرهم . و « جَعَلْنا » يحتمل أن تكون متعدية لاثنين بمعنى صيّرنا ، فيكون « لِكُلٍّ » مفعولا مقدما ، و « شِرْعَةً » مفعول ثان . وقوله : « مِنْكُمْ » متعلق بمحذوف ، أي : أعني منكم ، ولا يجوز أن يتعلّق بمحذوف على أنه صفة ل « كل » لوجهين : أحدهما : أنه يلزم منه الفصل بين الصفة والموصوف بقوله « جَعَلْنا » ، وهي جملة أجنبية ليس فيها تأكيد ولا تسديد ، وما شأنه كذلك لا يجوز الفصل به .